مرحباً بكم في كويت تلغراف | الخبر بدقة والتحليل بموضوعية
الكاتب: المحرر الرياضي
مدة القراءة: 4 دقائق
الجمعة 25 /9/2026
بعد عقد على واحدة من أكبر أزمات الفساد في كرة القدم العالمية.. ملفات إساءة استخدام الأموال وتضارب المصالح تعود إلى الواجهة، بينما تتسع المعركة لتشمل طريقة اتخاذ القرارات وإدارة الموارد
كويت تلغراف – رياضة
لم تعد قضية النزاهة داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» مرتبطة فقط بالفضيحة التي هزت أروقة المؤسسة عام 2015، عندما كشفت السلطات الأميركية عن شبكة اتهامات شملت مسؤولين في كرة القدم الدولية وامتدت، وفق لائحة الاتهام، على مدى 24 عاماً. اليوم، وبعد أكثر من عقد، انتقل النقاش إلى مساحة أوسع: من يراقب الأموال؟ وكيف تُتخذ القرارات الكبرى؟ وما مدى قدرة منظومة الحوكمة على منع تضارب المصالح وإساءة استخدام الموارد قبل وقوعها؟
من فضيحة الرشى إلى عصر الرقابة
في مايو 2015، أعلنت وزارة العدل الأميركية توجيه اتهامات إلى 14 شخصاً، بينهم مسؤولون بارزون في «فيفا» ومؤسسات كرة قدم إقليمية، في قضية تضمنت اتهامات بالتآمر والاحتيال وغسل الأموال والفساد المرتبط بتسويق حقوق كرة القدم. وأشارت السلطات الأميركية آنذاك إلى مخطط استمر نحو 24 عاماً.
ولم تتوقف التحقيقات عند الدفعة الأولى من المتهمين، إذ أعلنت وزارة العدل الأميركية في ديسمبر من العام نفسه توجيه اتهامات إضافية إلى 16 شخصاً، مع الإعلان عن إقرارات بالذنب لعدد من المتهمين في القضية.
كانت تلك المرحلة نقطة تحول بالنسبة إلى «فيفا»، ليس فقط بسبب التداعيات القانونية، بل لأنها جعلت الحوكمة والامتثال والشفافية جزءاً دائماً من النقاش حول إدارة كرة القدم العالمية.
2026.. الأموال في قلب المشهد مجدداً
بعد سنوات من إعادة بناء منظومة الرقابة، عادت قضايا استخدام الأموال إلى الواجهة من خلال ملفات تأديبية وأخلاقية داخل اتحادات وطنية.
وفي سبتمبر 2026، أعلنت الغرفة القضائية للجنة الأخلاقيات المستقلة في «فيفا» فرض عقوبات على أربعة مسؤولين سابقين في كرة القدم.
وشملت العقوبات الرئيس السابق للاتحاد المالديفي لكرة القدم بسام عادل جميل، الذي صدر بحقه إيقاف مدى الحياة وغرامة قدرها مليون فرنك سويسري بسبب إساءة استخدام أموال مخصصة لخطة «فيفا» للإغاثة من تداعيات كوفيد-19 لمصلحته الشخصية، بحسب قرار اللجنة.
كما عوقب المدير السابق للشؤون المالية والإدارية في الاتحاد المالديفي محمد عقيل بالإيقاف 10 سنوات وغرامة قدرها 100 ألف فرنك سويسري، على خلفية تسهيل وإخفاء إساءة استخدام أموال «فيفا» واستخدام مستندات مزورة وعدم التعاون مع لجنة الأخلاقيات.
وفي القضية نفسها، أوقفت اللجنة الرئيس السابق لاتحاد مونتسيرات لكرة القدم فينسنت كاسيل مدى الحياة وغرمته مليون فرنك سويسري، على خلفية مخالفات شملت إساءة استخدام المنصب وتضارب المصالح وإساءة استخدام أموال «فيفا» والاتحاد المحلي. كما أوقفت الأمين العام السابق للاتحاد تاندِكا هيوز 15 عاماً وغرمتها 150 ألف فرنك سويسري بسبب مخالفات تتعلق بموارد الاتحادين ومنافع غير مستحقة.
ملف الكونغو.. التحقيق قبل الحكم
وفي مارس 2026، فتحت الغرفة التحقيقية للجنة الأخلاقيات في «فيفا» إجراءات رسمية بحق ثلاثة مسؤولين كبار في الاتحاد الكونغولي لكرة القدم، بعد ظهور مؤشرات على مخالفات مالية محتملة تتعلق باستخدام أموال مخصصة من «فيفا».
وشملت الإجراءات رئيس الاتحاد جان غي مايولاس، والأمين العام وانتيتي بادجي، والمدير المالي راؤول كاندا.
ووفق «فيفا»، تبحث الإجراءات احتمالات مخالفة مواد في مدونة الأخلاقيات تتعلق باختلاس أو إساءة استخدام الأموال، والتزوير، وتضارب المصالح، وتقديم أو قبول الهدايا والمنافع. لكن القضية ما زالت في مرحلة الإجراءات، وبالتالي لا تمثل فتح التحقيقات حكماً بالإدانة.
وهنا يظهر الفارق المهم بين ملفات 2015 وبعض القضايا الحالية: المنظومة الحالية تعتمد بصورة أكبر على لجان أخلاقية مستقلة وإجراءات داخلية للتحقيق والعقوبات، بالتوازي مع التدقيق المالي والامتثال.
156 تحقيقاً أخلاقياً في موسم واحد
تكشف أرقام «فيفا» نفسها حجم العمل الذي تتحمله المنظومة القضائية والأخلاقية للاتحاد.
ففي تقريره السنوي عن الفترة من يوليو 2024 إلى يونيو 2025، أعلن «فيفا» أن لجنة الأخلاقيات فتحت 156 تحقيقاً، بينما تجاوز عدد القضايا التي تعاملت معها اللجنة التأديبية 3,400 قضية، بزيادة تتجاوز 200% عن الفترة السابقة.
ولا تعني هذه الأرقام أن جميع القضايا مرتبطة بالفساد المالي؛ إذ شملت الملفات التأديبية موضوعات مختلفة، من التلاعب بنتائج المباريات والمنشطات إلى حماية القُصّر وتنفيذ القرارات الرياضية والالتزامات المالية بين الأندية.
لكن التقرير يعكس في الوقت ذاته اتساع حجم المنظومة التي تحتاج إلى الرقابة، خصوصاً مع تزايد التدفقات المالية العابرة للاتحادات والأندية.
«فيفا فوروورد».. مليارات تحتاج إلى رقابة
يُعد برنامج FIFA Forward أحد أهم مصادر تمويل تطوير كرة القدم حول العالم، إذ أعلنت «فيفا» أن النسختين الأوليين من البرنامج، خلال سبع سنوات، شهدتا استثمارات تجاوزت 2.8 مليار دولار عبر الاتحادات القارية والإقليمية و211 اتحاداً عضواً.
ومع اتساع حجم الأموال المخصصة للبنية التحتية وتطوير الناشئين والبرامج الفنية، تصبح الرقابة على كيفية إنفاقها جزءاً مركزياً من معركة النزاهة.
ولهذا طورت «فيفا» آليات للتدقيق والحوكمة المالية، تشمل مراجعات مركزية للاتحادات الأعضاء وأدلة لإدارة الأموال، بهدف تقليل مخاطر إساءة استخدامها وتحسين القيمة الناتجة عن الإنفاق.
لكن المعركة لم تعد مالية فقط
الوجه الجديد للجدل في 2026 يتعلق بمستوى أعلى من الحوكمة: من يملك سلطة اتخاذ القرارات الاستراتيجية الكبرى داخل «فيفا»؟
ففي الأشهر الأخيرة، واجه مشروع FIFA Forward Enterprise انتقادات بعد طرح فكرة بيع حصة في الحقوق التجارية لمسابقات «فيفا» لمستثمرين خارجيين. وبعد الاعتراضات التي صدرت من جهات كروية مختلفة، تراجع الاتحاد عن المشروع.
وأدى ذلك إلى فتح نقاش حول الشفافية في القرارات المالية الكبرى، ومدى الحاجة إلى مراجعة مستقلة للاحتياطيات المالية للاتحاد الدولي.
وفي 21 سبتمبر 2026، أعلن رئيس «فيفا» جياني إنفانتينو استعداده لإجراء مراجعة خارجية مستقلة لهيكل الحوكمة فيما يتعلق بالمبادرات الاستراتيجية الكبرى، مع طرح مشاورات حول الجهات التي ينبغي أن تكون لها صلاحية اتخاذ مثل هذه القرارات.
احتياطيات بمليارات الدولارات
الجدل المالي اتخذ بعداً أكبر بعدما طالب رئيسا الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» واتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي «كونكاكاف» بإجراء مراجعة مستقلة للاحتياطيات المالية لـ«فيفا».
وبحسب ما نقلته «رويترز»، تشير تقديرات إلى إمكانية وصول احتياطيات «فيفا» إلى نحو 6 مليارات دولار بنهاية دورة 2023-2026، وهو مستوى وصف بأنه الأعلى في تاريخ الاتحاد. كما طرح المسؤولان فكرة توزيع 2.1 مليار دولار على الاتحادات الأعضاء لدعم تطوير البنية التحتية وكرة القدم خلال الدورة المقبلة.
وتحوّل النقاش بذلك من سؤال تقليدي عن «وجود أموال كافية» إلى سؤال أكثر تعقيداً حول كيفية إدارتها، وأوجه استخدامها، والجهة التي تملك حق تحديد أولويات إنفاقها.
هل تغير «فيفا» منذ 2015؟
من الناحية المؤسسية، طوّر الاتحاد الدولي خلال السنوات الماضية أدوات للامتثال والأخلاقيات والتدقيق، وأصبح ينشر تقارير دورية عن عمل لجانه القضائية، كما أن لجنة الأخلاقيات تعمل بهيكل مستقل يتضمن غرفة تحقيق وغرفة قضائية.
لكن استمرار صدور قرارات تأديبية تتعلق بإساءة استخدام الأموال وتضارب المصالح، بالتوازي مع الجدل حول القرارات التجارية الكبرى، يعني أن اختبار الحوكمة لا يزال مستمراً.
واللافت أن لجنة الأخلاقيات نفسها كانت قد أشارت في اجتماعها عام 2023 إلى ارتفاع القضايا المتعلقة باختلاس أو إساءة استخدام الأموال، وإلى أن الأساليب المستخدمة أصبحت أكثر تعقيداً، مع الحاجة إلى تحسين القدرة على تتبع الأموال.
الخلاصة
بعد صدمة 2015، لم يعد السؤال بالنسبة إلى كرة القدم العالمية يقتصر على من تلقى رشوة ومن دفعها.
المعادلة أصبحت أوسع:
من يملك المال؟ من يراقبه؟ من يقرر أين يُنفق؟ ومن يراجع القرارات عندما تكون المصالح التجارية بمليارات الدولارات؟
وهذه هي النقطة التي تجعل ملف النزاهة في «فيفا» خلال 2026 مختلفاً عن أزمة 2015. فالمواجهة الحالية تدور في جزء منها داخل منظومة الحوكمة نفسها: استقلالية الرقابة، شفافية القرارات، تضارب المصالح، إدارة الأموال، وآليات مساءلة أصحاب القرار.
وبينما تؤكد قرارات لجنة الأخلاقيات أن المخالفات المالية يمكن أن تؤدي إلى عقوبات قاسية، فإن الجدل حول الحوكمة الاستراتيجية والاحتياطيات المالية يضع الاتحاد الدولي أمام اختبار آخر: هل تستطيع قواعد الرقابة أن تواكب الحجم المتزايد للأموال والنفوذ التجاري في كرة القدم الحديثة؟
المعركة لم تعد فقط ضد الفساد بعد وقوعه.. بل ضد الثغرات التي قد تسمح بحدوثه.
عناوين فرعية مناسبة للتصميم
01 | صدمة 2015
اتهامات أميركية هزت أركان كرة القدم الدولية وغيّرت قواعد اللعبة في ملف الحوكمة.
02 | أموال «فيفا» تحت المجهر
عقوبات جديدة في 2026 تعيد ملف إساءة استخدام أموال التطوير إلى الواجهة.
03 | 156 تحقيقاً أخلاقياً
تقرير «فيفا» يكشف حجم الملفات التي تعاملت معها لجانه المستقلة خلال موسم واحد.
04 | من يراقب القرار؟
مشروع الحقوق التجارية والجدل حول الاحتياطيات يفتحان معركة جديدة حول الشفافية وآليات اتخاذ القرار.
الخلاصة | THE TAKEAWAY
من الرشى إلى الحوكمة.. تغيّر شكل معركة النزاهة في كرة القدم العالمية، لكن اختبار الشفافية لم ينتهِ.